أحمد الشرباصي

183

موسوعة اخلاق القرآن

وخلق الحلم هو حالة التوسط بين رذيلتين : الغضب والبلادة فإذا استجاب المرء لغضبه بلا تعقل ولا تبصر ، كان على رذيلة ، وإن تبلّد وضيّع حقّه ، ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة ، وإن تحلى بالحلم مع المقدرة ، وكان حلمه مع من يستحقه كان على فضيلة . وقد يشتبه الحلم بكظم الغيظ ، مع أن هناك فرقا بينهما - كما أشار حجة الاسلام الغزالي - فكظم الغيظ هو التحلم ، أي تكلف الحلم ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة ، لما في الكظم من كتمان ومقاومة واحتمال ، وأما الحلم فهو فضيلة أو خلق يصبح كالطبيعة ، وهو دلالة كمال العقل واستيلائه على صاحبه ، وانكسار قوة الغضب عنده ، وخضوعها للعقل . ولكن هناك ارتباطا بين الحلم وكظم الغيظ ، لأن ابتداء التخلق بفضيلة الحلم يكون بالتحلم وهو كظم الغيظ ، ومن هنا ورد : « إنما الحلم بالتحلم » . ومن دلائل المكانة السامية للحلم في نظر القرآن الكريم أنه ذكر اتصاف اللّه جل جلاله بصفة الحلم في جملة من الآيات فقال في سورة البقرة : « لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ » . ويقول في السورة نفسها : « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ » . ويقول فيها كذلك : « قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى واللّه غني حليم » . ويقول في سورة آل عمران : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ » . ويقول في سورة النساء : « وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ » . ويقول في سورة المائدة « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ » . ويقول في سورة الحج : « لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ » . ويقول في سورة الإسراء : « تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » .